Slider
قوائم

عشت قرب مقبرة جماعية

عبير محمد

عدنا إلى منبج التي سيطر عليها “أحرار الشام” عام 2012 دون أي أثر للمعارك. وقتها وبكل بساطة استيقظنا في الصباح لنجد أن الجيش الحر، كما تصور الجميع قد دخلوا منبج، باعتبار أنه في ذلك الوقت لم يكن هناك وجود لما يسمى النصرة أو “أحرار الشام” أو فيالق أو أي فصيل من الفصائل المنتشرة حالياً. ثم اكتشفنا لاحقاً أنه لم يكن هناك وجود للجيش الحر سوى بالاسم، ربما كان هناك مجموعة قليلة، وبعضهم من منبج تعمل باسمهم. سمعنا أنهم من قاتلوا داعش يومها ولقلة عددهم خسروا، ثم اختفوا تحت عباءة فصائل أخرى. وأثناءها كانت عمليات الخطف قائمة على قدم وساق من قبل شخص يطلق على نفسه لقب “البرنس”، الذي اعتقل فيما بعد.

كانت أحرار الشام تلاحق أي شخص كانت له علاقة باﻷمن، أو حتى يملك عقاراً أو ملكية من أشخاص كانوا باﻷمن وهربوا بعد أن باعوا مايملكون ﻷشخاص عاديين، فيعمد أحرار الشام إلى مصادرة  هذه اﻷملاك.

ومن الأشخاص الذين شملهم هذا الأمر شاب فلسطيني يدعى  شادي، صاحب البقالية المجاورة لنا ومتزوج من منبجية، اعتقلوه وبدؤوا بضربه، ثم أخذوا منزله الذي اشتراه من رجل كان يعمل باﻷمن، فما كان منه إلا أن انتسب لهم. وأصبح منهم ليسترجع منزله. وعندما أتت داعش هرب، ثم عاد ثانية وقدم استتابة لداعش، وانتمى إليهم ليسترجع منزله الذي استول عليه داعش أيضاً.

كان داعش خلال وجود احرار الشام متواجد في منبج بشكل قليل جداً، حيث كان لهم مركز واحد يتواجد فيه بضعة أشخاص بالاتفاق مع أحرار الشام. هذا ماكان معلوماً للعامة من الناس. إلى أن حدث الاشتباك، فكانت القذائف تنهال على المدنيين من كل حدب وصوب. دام هذا الاشتباك أسبوعاً كاملاً ليستولي داعش على منبج وأريافها سنة 2014، بعد أن أتاهم دعم كبير وكانوا قد بنوا أرضية لهم أثناء تواجدهم البسيط في منبج من خلال استمالة الشباب باسم الدين والدعوات الدينية.

بدأ تنظيم داعش بعدها بفرض أحكامه وشروطه على الناس. بداية مشطوا المدينة بحثاً عن كل من ينتمي للجيش الحر تحديداً واعتقلوه. اعتقلوا مجموعة منهم ثم قتلوهم ورموهم في ساحة المشفى الوطني وأرسلوا ﻷهاليهم ليأتوا ويستلموا جثث أولادهم. ثم فرضوا أحكاماً على الناس من حيث اللباس والتواجد في الشوارع والتجول وفتح اﻷسواق، خصوصاً أثناء أوقات الصلاة، وتراوحت العقوبات بين الرجم والصلب وقطع اليد، والجلد وقطع الرأس.

وكان أن اعتقلوا صيدلانياً ﻷنهم وجدوا قصيدة لنزار قباني قد كتبها الشاب لمحبوبته تحتوي على كلمة معبودتي، فأعدموه على الفور.

كانت منبج تتشح بالسواد، وأصبحت مدينة للأموات والأشباح، فرائحة القتل والموت والجثث تملأ كل زاوية وكل شارع وبيت فيها. طبعاً بالنسبة لي عندما دخل داعش المدينة سقطت على اﻷرض من الخوف والرعب، وأحسست أن ناقوس الخطر قد دق تحذيراً وتنبيهاً لما سيأتي في اﻷيام القادمة.

أغلقوا المدارس وكل ما له صلة بالحياة، افتتحوا ﻷنفسهم محكمة ومساجد للتعليم ومنعوا السفر للنساء إلا برفقة ولي أمر.

مقبرة جماعية

كان بيتنا لسوء الحظ مقابل برادات المشفى الوطني تماماً. فأصبحت على موعد شبه يومي مع الجثث والرؤوس المقطوعة، فعندما أحضروا مجموعة جثث ل “البي ك ك” من اﻷكراد الذين قتلوهم في حربهم معهم في الشمال، احتاروا في موضوع دفنهم لأجل المبادلة عليهم فيما بعد، فرموهم بجانب البرادات، وأهالوا بالتراب فوقهم بالجرافة، لتختلط اﻷرجل مع الرؤوس مع اﻷيدي. وفي اليوم التالي أتت الكلاب ونبشت بعض الجثث، وبقيت هذه الجثث مدفونة دفناً جماعياً، ليصبح هذا المكان مقبرة دائمة، فكلما أرادوا التخلص من الجثث يقومون برميها في هذا المكان. وقد كان بين هذه الجثث نساء، ﻷني استطعت تمييز حجم الجثة عن الباقي، لصغرها. لم أستطع إلا أن أنظر، وكلما رأيت المشهد يتكرر أجمد ثم أنهار ﻷبقى على هذه الحال إلى أن قررت أنني يجب أن أضع حداً لذلك، فوضعت ستارة على الشبك المطل على ذلك المكان، وتعاملت مع اﻷمر وكأنني غير موجودة.

ومرة ذهبت أنا وجارتي، وبكل جرأة، للحديث معهم وتقديم شكوى في “المحكمة الشرعية” كما يسمونها، وطلبنا منهم إخراج هذه الجثث لأنها تؤذينا نفسياً وجسدياً. وقد قابلنا قاض في العشرين من عمره أرسلنا إلى آخر، ولكنهم تجاهلوا الأمر. كانت هذه الخطوة مخاطرة كبرى ويمكن أن تشكل خطراً على حياتي لو أنهم اكتشفوا أني من منطقة “سلمية”، لكني لم أتردد في الاقدام عليها.

وحدث أن سكنت في الطابق الذي يعلونا نساء داعشيات مقاتلات وأرامل فرنسيات من أصل جزائري، حيث كانت روائح العطور الفرنسية تملأ المكان يومياً. ثم فجأة اختفين تاركات أسلحتهن،  وعندما جاء مجموعة من الدواعش وكسروا باب المنزل، اكتشفوا أن النساء قد هربن بدون أسلحتهن. كما كان هناك سبية، قيل إنها إيزيدية، في الشارع المقابل لنا بمنزل أحد الدواعش، لم نعلم مصيرها لاحقاً.

وكان الناس يتداولون قصة مؤسسهم المعروف باسم (الحاج بكر) وأن زعيمهم الحالي (أبو بكر البغدادي) هو مجرد واجهة. والحاج بكر هو ضابط وعقيد سابق في المخابرات العراقية، واسمه الحقيقي (سمير العابد آل محمد الخليفاوي)، مشهور بنفاقه وأنه من المستحيل معرفة ما يدور في رأسه. كان حاد الذكاء، هاجمه الجيش الحر سنة 2014 ورموه بالرصاص ليردوه قتيلاً دون معرفة أهميته كمؤسس لداعش. ولدى تفتيش حاجياته وجدوا عنده وثائق ومستندات عن خطة وكيفية إنشاء وتشكيل ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام.

ثم أتى اليوم الذي قررنا فيه السفر إلى أهلي في السلمية، خاصة أن داعش كانت قد وصلت إلى المصنع الذي كان يعمل به زوجي واحتلته، مما اضطر جميع الموظفين ﻹخلاء المصنع بظروف قاسية جداً نتيجة احتمال تعرضهم لخطر الخطف أو القتل، وحاليا هناك قضية مرفوعة ضد الشركة في فرنسا لتعريض حياة موظفيها للخطر أثناء وجود داعش، فالشركة تركت موظفيها، البالغ عددهم 200 موظف في مواجهة داعش دون السؤال عنهم.

قررنا السفر في الصباح بالسيارة فارتديت بنطالاً وعباءة وشالاً أسود. تلثمت بالشال بحيث لا يظهر من وجهي شيء. مررنا بحواجزهم دون مشاكل حتى وصلنا إلى آخر حاجز.

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة