Slider
قوائم

صديق المعتقلات الوفيّ

ياسمينا بنشي – غازي عنتاب

حين توصد أبواب السجن العالية يُغلق معها كل شيء. الحرية والصوت والحلم، إلا باب الأمل، فهو يبقى مفتوحا أمام نساءٍ ثائرات تحدّين الظلم والألم بكل أشكاله ولم يستسلمن لليأس. نساء استطعن أن يُدخلن ذاك الشعاع من بين كل القضبان الصدئة. إنّه الشعاع الذي يبعث الدفء في الروح، والآمال العظيمة تصنع المعجزات.

في الساعة التاسعة صباحاً يبدأ السجان بفتح أبواب مهاجع الجناح الرابع في سجن عدرا، لتوزيع الخبز والسماح للمعتقلات بفترة التنفس الأولى، وما هي إلا دقائق لتجتمع حولي بعض المعتقلات من كافة المهاجع ممّن رأين حلماً جميلاً لتفسيره. كنت قد تعلمت تفسير الأحلام من والدتي ومن قراءتي العديدة حول هذا الموضوع، لأقضي صباح كل يوم أكثر من ساعتين (حتى قبل أن أغسل وجهي) في سماع رؤى هؤلاء المعتقلات التواقات لسماع تفسير جميل يبعث الأمل في دواخلهنّ. كنت أوصي من رأت حلماً مقيتاً ألاّ تتفوه به كي لا يمس اليأس قلبها، أو أني أسمع فأصمت حتى لا أسمح لليأس بطرق أبوابهنّ.

عند بعض الكبيرات عمراً تتوزع أدوار صلاة الاستخارة، وذلك حين توصي كل معتقلة بطلب صلاة يذكر فيها اسمها واسم والدتها لرؤية فيما إذا كانت حياتها القادمة مليئة بالخير أو بالمصاعب، وحين تكون الرؤية سيئة أو غير مقنعة تعاود المعتقلة التكرار لتصل الى مأربها لأنها تريد أيّ شيء تتمسك به ليتحقق أملها.

أمّا في يومي الأحد والأربعاء، أي أيام الزيارات المعتمدة من إدارة السجن؛ كانت المعتقلات تتجمّعن في ممشى الجناح قبل الساعة الواحدة. يستحضرن الأمل في زيارة مرتقبة، وخاصة اللواتي فقدن التواصل مع أهلهنّ منذ وقت بعيد. “ستزورني أمي اليوم أنا متأكدة”، تقول إحداهنّ بصوتٍ واثق، فترد أخرى: “أنا أرسلت بطلب شقيقتي ولن تصغي لزوجها الذي سيمنعها من زيارتي كوني معتقلة بتهمة الإرهاب، وسوف تأتي لرؤيتي حتماً”. ويطول انتظارهنّ دون أن يأتي أحد، وتبقين تبحثن عن بصيص أملٍ صغير يوماً بعد يوم وزيارةٍ تلو زيارة. تمّر شهور إلى حين الفرج والفرح برؤية قريب أو عزيز يطمئنهنّ عن أهلهنّ وأشقائهنّ أو أطفالهن، وعن كل ما يجري في الخارج بعيداً عنهنّ. أمورهنّ القانونية التي يتابعها لهنّ أحد المحامين والتي تعدُ غالباً بإخلاء سبيل قريب، وحرية منتظرة، أو بمراوحة القضية في مكانها بانتظار تفاصيل قد تتأخر في سيرها ومنها مثلا: شاهد قد لا يأتي، وهنا تسوّد وجوه وتبيضّ وجوه مع وداع الزوّار.

بعد كل زيارة يزداد التفاؤل بسماع إشاعات عن مبادلة قريبة تحمل معها الفرح بنيل الحرية، وكل واحدة تعتقد وتخمّن بأنها ستكون ضمن صفقة التبادل القادمة، فهي الأقدم أو الأحقّ، وهي من على ثقة بأن أهلها حتماً سيضعون اسمها عند هذا الفصيل أو ذاك للمطالبة بها، أو أنّها ستنال مطلبها من خلال الدعاء لله الذي سيساندها بعد أن تخلى عنها الجميع.

ليس هذا فحسب بل كنّ يصنعن الأمل من أبسط الأمور، فحين تطير فراشة صغيرة وتقترب من إحداهنّ تقول لها صديقتها: “انظري، إنها تحوم حولك، وهذه بشارة خير، ستسمعين خبراً جميلاً عاجلاً إن شاء الله”، وعندما تسقط فردة حذاء فوق أخرى تصرخ واحدة: “لمن هذا الحذاء؟ شكله يقول بأنّ صاحبته ستخرج في وقت قريب”.

حتى الخرافات كانت مدعاة لاستدراج الأمل، فالبحث في كفّ اليد كان من هواية المعتقلة “ميّادة” التي كانت تغوص في تضاريس الكفّ وخطوطه العميقة، لتتنبأ بأشياء عامّة يمكن أن تحدث مع كلّ الناس، وهناك من اختصّت بعلم النفس، أو كان لديها هواية القراءة عنه، أو حتى تدعي الإلمام به، فتجلس لوقت طويل وهي تحلل شخصيّة وحالة كل معتقلة. الكثيرات يعلمن أن هذا الكلام مكرّر، أو أنه غير صحيح لكن حالةً غريبة كنّ يعشنها، ألا وهي أنهنّ يردن سماع حتّى من يكذب عليهنّ فقط كي يعشن على أمل.

هذا الأمل صديق كل معتقلة في وحشتها، ورحلة عذابها التي تبدأ في أقبية أفرع الموت وتنتهي في السجن الكبير. إنّه الصديق الوفي الذي يأتي رويداً رويداً عند الإيمان به، وكأنه حبل نجاة طويل سيوصلها إلى بر الأمان رغم كل اليأس والإحباط وتخلّي أقرب الأقربين.

من مذكرات سجن عدرا

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة