Slider
قوائم

سيدات في الحاوية!

وجيهة عبد الرحمن

ليست أمَّاً ولن تكون ذات يوم، ولكنَّها سيدة سورية، لم تكن جميلة ولكنَّها امتلكت ما يحفظ لها ماء الوجه، بل كانت تخجل لدى مكالمتي فتضع يدها على فمها لتخفي حركة شفاهها.

كنت سأتجاوزها إلا قليلاً  لولا أنني لاحظت أنّها تابعتني بالنظر، ذلك الحبل السرِّي ومايجري فيه كان كفيلاً ليهمس في أذنها أنَّني سورية مثلها، ولكنني (مودرن) كما يقولون، ربَّما بسبب اختلاف الظروف والحياة الاجتماعية  والبيئة.

عرفت أنها سيدة سورية بمجرد رؤيتها، منْ غير السوري هذه الأيام يقتات على فتات القمامة، فقد كانت ( صبحة) جالسة بين حاويات ثلاث وأمامها أكياس تفرز محتوياتها،لم تكن تُعر انتباهاً أو اهتماماً بالمارَّة، ولكنَّها نظرت إليَّ بعمق حتى قيدت قدميَّ وأعادتني إلى الوراء لأتخذ من صندوق فارغ كرسياً واجلس معها في مكان كارثي كالذي كانت جالسة فيه.

هذا ما آلت إليه أحوال السوريات من النساء بعد أن بتن وحيدات فاقدت للمعيل ، وبعد أن غادرن وهن تجهلن مكان رجل البيت أو الابن والأخ، لم يسمح لهنَّ المكان الذي انتقلن إليه لاجئات  بالمزيد من النواح والبكاء على من فقدن من الأسرة إذ أنهن عانين الجوع  والحرمان والنوم في العراء مع ما تبقى من أسرهن.

فكان يجدر بهن والحال هكذا البحث عن عمل، ولكن العمل أيضا تطلب منهن في بعض الأحيان دفع ثمنه من الكرامة والشرف، لذا فضلت بعض سيدات سوريا التسول والبحث في حاويات القمامة على التخلي عن شرفهن، ففي بلدان الجوار التي أصبحت ملاذا للسوريين تجدهم فيها في أدنى درجات فقدان الكرامة، بسبب العمل المضني إن وجد، عدا ذلك فالأزقة والشوارع امتلأت بهم،  وهم المتسولون ورواد حاويات القمامة، وذلك يحتمل الكثير من الكلام الذي قد نتفلسف به نحن كأن نقول: ذاك قادر على العمل وتلك يبدو أنها امرأة ترغب في العمل داعرة، أما ذاك الولد فلربما هو يعمل دون إذن من أهله في بيع الدخان وماشابه ،وينفق ما يكسبه في تدخين الحشيشة التي أصبحت موضة وبعض الأمور الأخرى.

أعتقد لو أننا قمنا بمراقبة حياة البعض من أولئك ،سنكتشف نحن( الجهابذة) الكثير من المبررات التي تبرر لهم القيام بأي عمل، وللتوضيح أنا لاأقدم تبريرات واهية للقيام بأعمال سيئة ولكنني أرغب في الخوض في الدوافع والأسباب. لأن كل تحليلاتنا العظيمة لسلوك أولئك البشر ستذوب مثل الثلج  في الماء لدى سماع قصصهم وأسباب ما آلت إليها حياتهم .

(صبحة) لاتقل شأنا عن أية سيدة سورية، بل ربما لو أتيحت لها الفرص لكانت أفضل من الكثيرات، اللواتي تبوَّأن مناصب لاقدرة لديهن على إدارتها.

التقيتها مساء أمس في حي غازي مختار باشا في مدينة غازي عنتاب التركية،فرحت كثيراً لدى عودتي إليها وجاوبت على كل أسئلتي دون تحفُّظ، كانت متصالحة مع ذاتها حدَّ البوح بكل مالديها من أسرار بالرغم من ضيق الوقت .

تجاوزت صبحة خجلها  وواكبت فضولي في معرفة الأسباب التي أوصلتها إلى أن تجلس بين الحاويات الثلاث، قبالة أفضل المحال لفساين الزفاف والسهرة:

_ إنا إذا ما اشتغلت أخوي ما يخليني عنده

لهجتها البدوية كانت ساحرة  حينما كانت تتكلم، وكانت هي بمنتهى الظرافة واللطف، بينما تخفي أسنانها التي نال منها الزمن اكملت كلامها:

_ أخوي كل شي ما ينطيني ، ومرَتَه بعد( يعني زوجته)

صبحة لاأهل لها سوى هذا الأخ، الذي يقيم في أحد الأحياء البعيدة في مدينة غازي عنتاب، وهي تسكن عنده، تخرج منذ ساعات الصباح الأولى، وتتنقَّل بين حاويات القمامة لتجمع أكياس النايلون ، وحين الإكتفاء تعقد كيساً على رأسها وواحداً على ظهرها وآخرين بيديها وتمضي عائدة، الكمية يجب أن تكون كبيرة حتى تكسب رضا الأخ، الذي يأخذ تلك المقتنيات ويبيعها بطرقه الخاصة، لقاء مأوى وطعام لصبحة،( الأخت- المراة) التي لاتملك سوى ذلك للحفاظ على شرفها .

أشارت بإصبعها إلى محلات فساتين الزفاف والسهرة التي كانت جالسة قبالتهم:

_ هذه الفساين حيل حلوة، ثم تابعت بضحكة خجولة

_ لكن أسَّع ما أقدر ألبسها، دحكي( سنوني) أشارت إلى أسنانها، ووجهي، وش صاير بيَّ….

تزوجت صبحة مرتين قبل نزوحها من بلدها سوريا، أول زواج لها ظلت مع زوجها تسع سنوات ولكنها لم تتمكن من الإنجاب، فقام بتطليقها  بدون سابق إنذار، بعد فترة قصيرة تزوجت مرة أخرى ولكنها أيضا لم تنجب خلال الثلاث السنوات التي ظلت فيها مع زوجها الثاني، فطلقها هو الآخر، لتعود صبحة خالية الوفاض  تجرجر أذيال قدرها  إلى بيت العائلة الذي كان يسكنه أخوها، قبل أن تدمرها إحدى قذائف الهاون التي سقطت عليه ، الأمر الذي أدى بهم إلى التوجه إلى منبج، ولكن منبج أيضا لم تمنحها الأمان إذ سرعان ما سيطرت عليها قوات داعش، وهنا كان لابد من الخروج بعيداً باتجاه الحدود التركية ، وقد سلكوا حينذاك أصعب الدروب المؤدية إلى الأراضي التركية.

رفعت صبحة كلتا يديها تبتهل إلى السماء، لتعود الحياة إلى بلدها سوريا، لتعود هي إلى قريتها ولايهمها إن كان البيت مهدماً، فهي ستقوم بإعادة بنائه وتسكن فيه ، لتكون سيدة ذلك المكان بعد أن تعبت من حياة الذل  هنا وهناك:

_ يارب إنشاء الله نرجع لبلدنا، وتنهمر دموعها وجعا ً

_ أريد أرجع لدارنا وابنيها من جديد أحسنلي من هالعيشة.

ثم صمتت ولم تتكلم حتى غادرتها مودعة إياها، وقبل ذلك كنت قد طلبت منها التقاط صورة لها، بالرغم من موافقتها السريعة، إلا أنها عاودت الحديث عن وجهها:

_ دحكي وجهي وإيدي وش صاير بيهن….

لكنِّي طمأنتها بأنها لاتزال جميلة في أعين الكثير من الرجال ، وأنَّها قوية جداً، ناقشتها بأمر الصورة، فيما إذا كان أخوها سيعترض إذا رآها منشورة في إحدى الصحف او المجلات، ولكنها أصرَّت أنه لن يغضب ذلك احداً.

_ ماحد يزعل… لالاماحد يزعل

التقطت صورتها وكانت في غاية السعادة، ثم ودعتها على أمل اللقاء بها دون عنوان، لم ترد عليَّ بكلمات الوداع ولم تنطق بكلمة واحدة.

صبحة لاعنوان لها ، أو ربما عنوانها كل حاويات القمامة في أحياء الأثرياء ومحلات الألبسة…

قصة صبحة هي إحدى قصص آلاف النساء السوريات، اللواتي ترغبن في العودة إلى البلد من أجل حفظ ما تبقى لهنَّ من كرامة.

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة