Slider
قوائم

سميرة ورزان… وحال الثورة السورية.

ياسين الحاج صالح

منذ اليوم الأول للثورة السورية في آذار 2011، أخذت رزان زيتونة (36 عاما) قرارا بأن تعيش متوارية. كانت تعرضت لمضايقات واستدعاءات متكررة من المخابرات السورية قبل الثورة، وفضلت أن تتوارى عن أعين نظام لا تثق به لتستطيع أن تعمل بين الناس الذين تثق بهم.

رزان محامية وكاتبة، كانت تدافع عن المعتقلين السياسيين من مختلف الاتجاهات أمام محكمة أمن الدولة العليا بدمشق إلى حين طردها رئيس المحكمة فايز النوري من قاعة المحكمة عام 2005. لكنها ثابرت على العمل مع أهالي المعتقلين، وزيارتهم في أحيائهم وقراهم الفقيرة. تابعت في سنوات ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق ملف المجموعات السلفية التي كان يتلاعب بها النظام، فيرسل مجموعات منها إلى العراق ويعتقل مجموعات، ويستخدم الكل كورقة في تثقيل وزنه الإقليمي. رزان صارت من أصحاب الخبرة في هذا الملف، وكتبت العديد من التحقيقات المبنية على خبرتها الشخصية فيه.

مزجت رزان بين الالتزام القوي بمبدأ حقوق الإنسان وبين الحس الإنساني المرهف وبين ثبات الموقف السياسي المناهض للنظام الأسدي والمنحاز للتغيير الديمقراطي. وكتبت عشرات المقالات المقروءة على نطاق واسع تعكس هذه الروحية.

كانت المؤسس الفعلي لـ”لجان التنسيق المحلية”، أحد أبكر الهيئات الناشطة في الثورة وأكثرها موثوقية وجدارة بالاحترام. وهي أيضا مؤسس “مركز توثيق الانتهاكات” بالتعاون مع عدد من الناشطين المعروفين، منهم معتقلون عند النظام.

بعد أكثر من عامين من التواري في دمشق، ومنذ أواخر نيسان 2013، أقامت رزان في مدينة دوما في الغوطة الشرقية. وهناك بدأت العمل على الفور. كنت سبقتها ببضعة أسابيع إلى هناك، وأقمنا لبعض الوقت في بيت واحد، رزان وزوجتي سميرة الخليل وأنا، إلى حين خروجي من الغوطة في تموز 2013. ظلت سميرة ورزان في البيت. سميرة التي كانت معتقلة سياسية شيوعية بين 1987 و1991 تعمل مع نساء محليات في إنتاج ما يساعدهن على المعيشة. وهي إذ تجيد الإصغاء إلى الآخرين تسهل لهم البوح بما في قلوبهم، وتجعلهم دون قصد منها يتعلقون بها. وصار بيتهما المشترك مقصدا لفتيات ونساء كثيرات من دوما. رزان أخدت تهتم بتأمين دعم للمشاريع الصغيرة في المنطقة لتمكين الأسر من إنتاج ما يوفر لها موارد للعيش. وبطبعها الهادئ شكلت سميرة مع رزان ثنائيا متغايرا ومتكاملا معا. كانت رزان تكتئب كلما بدا أن تهريب سميرة من الغوطة موشك على التحقق. كانت سميرة قد هُرِّبت إلى الغوطة في 18 أيار 2013 بعد أن صارت مطلوبة للنظام في دمشق. طوال عامين قبل ذلك كانت تتنقل بين بيتنا المستأجر في إحدى ضواحي دمشق وبين واحد من خمسة بيوت قضيت العامين متواريا فيها.

في آب 2013 التحق بهما وائل حمادة، زوج رزان، وناظم حمادي الشاعر والمحامي الذي عمل كثيرا وطويلا في الإغاثة ومساعدة المحتاجين في معظم مناطق البلد. كانت شبكة “لجان التنسيق المحلية” للإغاثة التي يعملان فيها من أقدم الشبكات وأوسعها انتشارا.

عاشت سميرة ورزان ووائل وناظم حياة الناس في الغوطة، وجبتان في اليوم، ثم بالكاد وجبة واحدة ونصف. كان ينبغي تأمين موارد لمساعدة أسر محتاجة في منطقة لا كهرباء فيها منذ أكثر من عام، ويقارب سعر لتر البنزين الواحد 20 دولارا أميركا، وكيلو غرام الرز 7 دولارات. المنطقة صارت محاصرة بالكامل منذ أكتوبر الماضي، قبل ذلك كانت محاصرة حصارا جزئيا، لكنها تتعرض للقصف اليومي من قبل قوات النظام ويسقط عدد من الشهداء كل يوم.

مثل اختطاف رزان وسميرة ووائل وناظم ضربة قوية جدا للثورة لسورية ولقيمها المحركة، وهدية مجانية كبرى للنظام الذي كرس الأربعة جهودهم وحياتهم لمقاومته.

وتظهر الواقعة أن الثورة السورية صراع على جبهتين مثل الثورة الأسبانية قبل ثلاثة أرباع القرن، وقد واجهها اليمين الفاشي مدعوما من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية والستالنيين المدعومين من الاتحاد السوفييتي: جبهة الفاشية الأسدية، وجبهة الفاشيين الجدد الإسلاميين. هذا يضع الثورة وسورية في وضع هائل الصعوبة. إن أيا من الفاشيتين لا تصلح سندا للصراع ضد الأخرى، ليس “المجتمع الدولي” سندا في هذا الصراع أيضا. لقد وفر حصانة كاملة للقاتل، خصوصا بعد تعهده نزع سلاحه الكيماوي الذي تسبب في سقوط 1466 شهيدا في منطقة الغوطة نفسها في 21 آب الماضي.

ما يمكن أن يكون سندا هو كفاحنا المشترك ضد الفاشيين ومن أجل تقرير المصير للشعب السوري. هذا عمل كبير، قد لا يكون الطور الحالي من الصراع السوري غير المشهد الافتتاحي منه.

 

المصدر : Facebook

 .

اترك رد

مواضيع ذات صلة