Slider
قوائم

عمل النساء في الجنوب السوري ظاهرة تفرضها الأوضاع الراهنة

هبة العلي
حمل ثقيل ألقي على كاهل المرأة  السورية في ظل الظروف الحالية لتقوم وحدها  بدور جديد  لم تألفه من قبل فتصبح معيلة لأسرة كاملة، فهي تعاني اليوم اكثر من أي وقت مضى و تقوم بدورها الجديد على أكمل وجه لتصل بعائلتها الى بر الامان المنشود . بدأت النساء بالبحث عن عمل يناسب سنها وقوتها، لكن انخفاض مستواها التعليمي فرض عليها عملاً قد يتنافى  أحياناً مع كبريائها، لذا يمكن أن نرى اليوم بعض النساء تبيع الخبز على الرصيف  وأخرى تبيع أشياء أخرى، وغيرها من الأعمال التي تتقنها المراة. وآخر ما لجأت إليه المرأة هو العمل في البيوت كخادمة، وهذا لم يكن مألوفاً لدى النساء، وخاصة في البيئة الريفية التي ترفض عاداتها وتقاليدها بعض تلك الاعمال، ولكن كرامة المرأة وعدم قبولها استجداء الشفقة والعطف ومد اليد وذل السؤال دفع بها إلى هذا العمل ليصبح اليوم شائعاً نوعاً ما و ربما يتقبله المجتمع لسوء الوضع المادي و انعدام دخل الكثير من الاسر.

سهام فتاة تجاوزت الاربعين و غير متزوجة،  فهي معيلة لوالدتها و سبع من اخواتها البنات غير المتعلمات. تقول سهام: “عملت في تنظيف المنازل سراً عن صديقاتي و عن أقاربي لان مثل هذا العمل قد يتنافى مع مجتمعنا الريفي البسيط و تقاليدنا الاجتماعية، حيث منعت اخواتي البنات  من العمل في هذا المجال و اكتفيت بالعمل  بنفسي لعل إحداهن تجد عملاً أفضل، هو عمل شاق يستغرق  طوال اليوم  لكن يتوجب علي  تقديم اي دعم مادي لعائلتي  وذلك بسبب صعوبات الحياة التي تعانيها.”

خلود امرأة في الثلاثين و تعيل زوجها و عائلتها المكونة من خمس اطفال تقول: “اضطررت للعمل نيابة عن زوجي في دكان صغير  في بيتي المتواضع لألبي احتياجات بيتي و اطفالي , يعاني زوجي من مرض عضال مما ارغمني على العمل بدلاً عنه، لم اتوقع يوما ان احمل تلك المسؤولية الكبيرة فأنا اليوم اصبحت الام و الاب و المعيل …بلا شك هي حياة قاسية لانه و بالرغم من عملي فأنا لا اكاد احصل على احتياجات اطفالي و بيتي لذلك اضطر احيانا الى ترك ابنتي اليافعة لتقوم بمهمتي و انصرف انا للعمل في المجال الزراعي كالحصاد او قطاف الزيتون او غيرها من الاعمال التي تعتبر شاقة بالنسبة لي …أنا مقتنعة بظروفي ولكن ما يحزنني هو تعطيل ابنتي عن مدرستها و خاصة انها في سن حرجة و تحتاج لرعاية اكثر مني ومن والدها و من مدرستها ايضاً.” 

تجني المرأة اليوم حصاد  تفكير مجتمع لم يقدر يوما ان يؤهلها  او يقدم لها المساعدة  لتكون على استعداد  لمواجهة مصاعب الحياة او يقدم لها ما يوصلها إلى بر الأمان في ظروف غاب فيها الامان بل تركها وحيدة وهي صغيرة وفي الكبر، لتلجا إلى نفسها وتتكل على ذاتها  لتقوى  على ظروف الحياة وتطوعها لنفسها بكفين طاهرين شريفين متينين لتضمن حياة  كريمة لها وأولادها او أحفادها او لنفسها وتنتج لقمة عيش كريمة طاهرة كطهر كفيها وطهر عرقها الذي يتصبب منها كلما عملت واجتهدت.

نوال  سيدة خمسينية تقول: “مات  زوجي  وتركني ابني  الوحيد وسافرت ابنتي الوحيدة و تفاجئت بنفسي  وحيدة دون معيل فعملت جليسة لسيدة مقعدة . اقتصر عملي على رعايتها و الاهتمام بها  طوال اليوم  من تقديم الطعام والشراب والتنظيف مقابل مبلغ مالي بسيط قد يكفي احتياجاتي  و يفي بالغرض و يمنعني من ذل سؤال الناس ..هو عمل غير مألوف و لكن وجدت نفسي مرغمة عليه.”

اما ميساء فهي فتاة بالثلاثين، تقول: “توفي والدي و ترك لي امي و ثلاث اخوات بنات احداهن من ذوي الاحتياجات الخاصة , لي ثلاثة اخوة ذكور لكل منهم حياته الخاصة البسيطة , اضطررت للعمل في محل البسة مقابل راتب رمزي لمساعدة عائلتي التي تفتقر لأي دخل مادي …عشر سنوات و انا اعمل و قد نسيت نفسي فيها، فكل صديقاتي تزوجن و لكل منهن حياتها الخاصة، ربما ذلك ما كان يزعجني اثناء التفكير في وضع عائلتي. و لكن الان اتقبل الامر بشكل عادي.”

مريم فتاة في ريعان شبابها تزوجت مرتين ولم تتوفق في زواجها , تعيش  و طفلتها مع والدتها .  هي كانت كما يسميها  البعض ذخرا لوالدتها. تقول مريم : “يعاني اخي الوحيد   كما الجميع من سوء الأوضاع المادية لانه يملك عائلة كبيرة و عدداً كبيراً من الاطفال و هذا مرهق ماديا في هذه الايام و تلك أحد الاسباب التي ارغمتني   على العمل في مجال النسيج لكنه لم يكن بالكافي كون الطلب عليه موسمياً مما اضطرني للعمل صيفاً كمربية أطفال  وخادمة بوقت واحد، وهو أيضاً عمل موسمي بالنسبة لي  حيث اعمل في الربيع في مساعدة من ترغب من النساء بتعزيل و تنظيف منزلها الموسمي لاتلقى  في النهاية ما يسد ثمن طعام ودواء والدتي في هذا الوضع السيء.”

إحدى السيدات لا تملك شهادة تؤهلها للعمل وكسب المال الكافي من أجل تأمين أدنى شروط الحياة لها ولاطفالها بعد أن تركها زوجها وبات مصيره مجهول فاضطر ت للعمل في أحد البيوت هي لم تلق معاملة سيئة لكنها من داخلها ترفض هذا الوضع الحرج أملة ان يعود زوجها وترجع هي ملكة في بيتها حيث تذهب الى عملها منذ الصباح الباكر لتؤمن افطار الاطفال والعائلة وتقوم بتنظيف المنزل والاهتمام بالأطفال حتى المساء حتى عودة أصحاب المنزل وبهذا الوقت تكون تركت أطفالها تحت رعاية ابنتها التي لم تبلغ العشر سنوات فتعود منهكة تعبة.
نجد المرأة اليوم مقبلة على العمل بكل ما حباها الله به من قوة سواء  حملت مؤهلات أم لم تحمل , سواء كبر عمرها ام صغر. وهذا ليس وليد الظروف الراهنة، لكن تلك الظروف ساهمت في ازدياد عمل المرأة غير المؤهلة وغير المتعلمة وساعد على انتشارها، فقديماً كانت النساء تساعد الرجل بعمله في الأرض وذلك كنوع من المساندة والوقوف بجانبه اما اليوم فهي تقف وحيدة بغض النظر عن حالتها الاجتماعية  سواء كانت متزوجة ام او مطلقة او ارملة أو لديها  عدداً من الأبناء لكن غير قادرين على تقديم المساعدة.
لم تترك هذه الفئة من نساء مجتمعنا عملا الا وعملت به فهي قادرة على ان تبيع الخبز في بسطة صباحا وترجع إلى بيتها لتبيع بعض قطع البسكويت وبعض أنواع الثياب  وغيرها لتجعل من بيتها متجرا صغيرا  والبعض الآخر اعتمد على مهاراته في صنع بعض الأشياء كالنسيج الصوفي والشك او صناعة الخبز البيتي.
او نجدها في العمل الأكثر شيوعا  للعمل بالارض والزراعة حيث تقوم معظم النساء بالعمل بالارض وكما تقول بعض النساء بالعامية (نطلع مع طلعة العود الاخضر) فترافق الموسم الزراعي  من بدايته إلى نهايته في مواسم التعشيب والري والجني والحصاد.
وبينما نرى البعض يضطر للعمل داخل المنازل في أعمال التنظيف وغيرها، لكن مهما صعب العمل الا انه يبقى اسهل من ذل السؤال.

مجتمع أساء التفكير والتقدير وأساء المعاملة نتج عنه نساء طاهرات شريفات ماجدات أبين السؤال فاعتمدن على أنفسهن في كل شيء.
تزداد هذه الظاهرة في الوقت الحالي بسبب سوء الاوضاع الاقتصادية و انعدام الدخل للعديد من العائلات مما اضطر الكثير للبحث عن مصدر رزق لهن بغض النظر عن نوع هذا العمل ولكن الحاجة ترغمهن على الرضا بأي عمل قد يكون مصدر دخل بسيط لهن.
خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة