Slider
قوائم

تحرش ووصاية ذكورية

رشا عمران

قبل أيام، نشر موقع إخباري عربي استبيانا بشأن أسباب التحرّش في البلاد العربية، ولم يكن مستغربا أن إجماع الشرائح التي شاركت في الاستبيان تمحور حول سبب واحد: ملابس الفتاة أو السيدة. والمدهش، في التعليقات المصاحبة للاستبيان، مقدار التشفّي من النساء غير المحجّبات، أو اللواتي اعتدن على ارتداء ملابس مكشوفة قليلا، والدعوة العلنية إلى التحرّش بهن. يكتب منهم، في تعليقاتهم وتعليقاتهن، ما يُؤذِن بمزيدٍ من الخراب والانحطاط في هذا العالم العربي البائس، الذي تؤكّد مجاميعه وأفراده، يوما بعد يوم، أن ما يحدث ليس سوى نتيجة طبيعية للعقل المُلغى والمغلق، والرافض أي نقاش أو تحليل علمي لأية ظاهرة عامة، كظاهرة التحرّش مثلا، والتي، على الرغم من أنها ليس مقتصرة على البلاد العربية، إلا أنها لدينا تأخذ أبعادا مختلفة، ويختلط فيها الاجتماعي مع الاقتصادي والسياسي، وهو ما ليس موجودا في الغرب، إذ تأخذ الظاهرة في الغرب بعدا واحدا، هو البعد الاستعلائي الذكوري، المحمول على عقد تاريخية تراكمية، تعود إلى عصر الأمومة، والذي كانت فيه المرأة المسيطرة والقائدة للحياة والمجتمع.
وليست معلومة جديدة، أو غير مؤكّدة، أن التحرّش في البلدان العربية عابر للباس المرأة أو مظهرها العام، إذ تتعرّض له أيضا النساء المحجبات والمنقبات، وكذلك الطفلات الصغيرات، والسيدات المتقدّمات في العمر. تتعرّض له الأنثى في كل حالاتها، وأينما كانت، فهي مستباحةٌ من ذكرٍ ما، في الشارع، في التاكسي، في المواصلات العامة، في أماكن التجمّعات، في مراكز العمل، في البيوت، من الإخوة والآباء والأقارب، على وسائل التواصل طبعا، وهي ظاهرةٌ أصبحت منتشرةً بفجاجة ووقاحة وبذاءة مدهشة. دائما ثمّة متحرّش ما يظهر من مكان ما، ويقوم بفعلته، وثمّة من يبرّر له أو يبارك له فعله. والتحرّش ليس شرطا أن يكون ملامسةً أو ألفاظا مباشرة، وليس دائما موجّها من الذكور نحو الإناث، إذ قد يختار أحدٌ ما مجموعة من النساء يحقد عليهن لسببٍ ما، قد يكون سببا سياسيا مثلا، أو دينيا، أو قوميا، ويبدأ بتشويه سمعتهن والإساءة لهن. هذا النوع من الاستباحة هو تحرّش فعلي وكامل الأركان، وعنفي أيضا، يقوم به الرجال والنساء معا، بحيث تبدو المتحرّشات، في حالة كهذه، وكأنهن متباهياتٌ بذكورة متخيلة، تسستبيح من يعتقدن أنهن عدواتهن.
وغالبا ما يتمظهر التحرّش في بلادنا ومجتمعاتنا بمظهر الحرص الذكوري على الإناث، إذ يعتقد الذكر أن من إحدى حقوقه وواجباته، في الآن نفسه، تقديم النصيحة لأي أنثى يراها، كأن ينصح عابرٌ في الشارع أنثى عابرة بالتحجّب، حرصا عليها من عذاب النار، وكأن ينصح راكبٌ في مواصلاتٍ عامة راكبةً مثله بأن لا تُفرد ساقيها في أثناء جلوسها، وكأن يطلب عاملٌ في متجر من مجموعة فتيات يقفن أمام متجره أن يدخلن أو يذهبن إلى مقهىً قريب، إذ لا يجوز أن تقف الفتيات في الشارع هكذا!
تكتب صديقة على صفحتها، قبل أيام، أنها اشترت سندويتشة من عربةٍ في الشارع الذي تقيم فيه، وبدأت تأكلها وهي ماشية في الشارع نفسه، تقول: “كان الرجال ينظرون إليّ باستغراب، وكأنني قادمة من المرّيخ، وكأن من المعيب أن تأكل شابّة وهي تمشي، كما يفعل أي رجل أو ذكر من دون أي اعتراض من أحد”. .. لن يتم الحديث هنا عن الإساءات التي يمكن أن تسمعها أية أنثى في الشارع العربي بحجة الحرص على أخلاق المجتمع، إن كانت تُمسِك بيدها لفافة تبغ، أو تمشي مستندةَ إلى كتف حبيبها أو خطيبها أو زوجها. يقول أحد المعلقين على حادثةٍ، ذكرها شابٌّ عن تعرّضه للاعتداء من شخصٍ لا يعرفه، لأن زوجته أسندت رأسها إليه في إحدى وسائل المواصلات العامة: “وكيف نعرف أنها زوجتك، ألا يمكن أن تكون عشيقتك؟”.
هذا الإحساس المذهل بالوصاية على النساء والمجتمع، ويمارسه ذكورٌ عربٌ، هو تحرّش مكتمل الأركان، وهو اللبنة الأولى للاعتداء الجنسي الذي يقوم به، حتى الآباء والإخوة أحيانا بحق بناتهم وأخوتهم، هو اللبنة الأولى للعنف ضد النساء بكل أشكاله، من ضربٍ وإهانةٍ واستغلالٍ وتعسّف، هذه الوصاية الذكورية خلفها أسبابٌ كثيرة، أولها سياسي استبدادي، يكرّس التخلف والغيبي وإلغاء العقل لإبقاء سيطرته. هذه الوصاية التي لن تنتهي إلا بانتهاء أسبابها، وهو ما يبدو بعيدا جدا حتى الآن.

المصدر: العربي الجديد

اترك رد

مواضيع ذات صلة