Slider
قوائم

انتشار كثيف للزواج المبكر في الجنوب السوري

درعا – هبة العلي  

ريم ابنة ريف دمشق فتاة لا تتجاوز الرابعة عشر من عمرها نزحت هي و أختها و أخيها  مع أمها خلال أحداث مدينة داريا إلى ريف درعا  بعد أن قُتل أبوها برصاص قناص.

أم ريم سيدة أربعينة تقول: “اضطررت لتزويج ابنتي في تلك الفترة الصعبة بسبب ما عانيته من ظروف قاهرة اضطرتني إلى القبول بتزويجها من أول شاب تقدم لخطبتها، وهو شاب يكبرها عشر سنين, فحماية البنت في تلك الظروف  ليست بالشيء السهل أو العادي بالنسبة لي، وخاصة إذا كانت يتيمة الأب وبدون معيل، فأنا وحدي لا أقوى على إعالتها مع أختها وأخيها الصغيرين. انتظر ابنتي الصغرى لين حتى تنضج قليلاً لأزوجها كأختها وأرتاح من همها، (هم البنات للممات) كما تعلمون”.

لم تكن تلك الطفلة “نور” ابنة الخامسة عشر عاماً مستعدة نفسياً وجسدياً للزواج, ففكرة الزواج لديها تقتصر على حفلة زفاف مع ثوبها الأبيض وملابس جديدة تشتريها وترتديها أمام صديقاتها من الأطفال اللواتي يجذبهن اختلاف الألوان وبريقها و طقوس الزواج كاملة لتكون على استعداد كامل لحياة جديدة قد تغدو هي الأجمل لديها.

بدون شك هي لا تعلم شيئاً عن الحياة الزوجية التي ستعيشها بعد عدة أيام، ولكن رغبة أهلها في تزويجها هو السبب وراء ذلك.

تقول أم نور: “يصعب على أي عائلة في الظروف الحالية تدريس بناتهم بسبب الأوضاع الأمنية الحالية وتواجد الحواجز و انعدام الأمان، و أي بنت في هذا الوضع ليس لها إلا الزواج. و بما أن العريس مناسب و مقتدر مادياً فلا ضرر من تزويجها، فنحن لا نضمن أن يأتي شاب آخر يحمل نفس المواصفات وبنفس الحالة المادية. لكن، وبعد مضي شهر من زواج نور بدأت الخلافات تشوب حياتها الزوجية ولم تعد نور تستوعب زوجها أو تكون قادرة على أن تفي بمتطلباته ومتطلبات عائلته، الشيء الذي اضطر زوجها إلى ضربها يومياً  لنتفاجئ جميعاً بمغادرتها لبيت زوجها و تركها له.

تركت نور مدرستها، لكن لم تكن تُضرب من أفراد عائلتها في بيت أهلها. ذلك الأمر الذي سبب خلافها مع زوجها, فالضرب تعتبره للحيوانات، وهي إهانة كبيرة لها خاصة حين كان يضربها على مرأى من عائلته أو حتى الجيران والأصدقاء المقربين منهم.

انتهى زواج نور بالطلاق قبل أن تبلغ الخامسة عشر. لا زالت الخسارات تتوالى في حياتها ابتداء من حرمانها للتعليم وانتهاء بطلاقها وهي طفلة.

ويعتبر الزواج المبكر من الناحية القانونية هو زواج الأطفال دون سن الثامنة عشر ويعود انتشاره لعدة أسباب أهمها: حصر المرأة ضمن نمط محدد للحياة وتحديد مهمتها  بتكوين الأسرة والاهتمام بالأطفال وتربيتهم وبهذا فهي تلتزم بمهامها المترتبة عليها منذ الصغر وفق معايير المجتمع  لتضمن نجاح مهمتها الموكلة إليها دون الأخذ  برأيها.

و يعتبر الوضع الاقتصادي السيئ للعائلات سببا هاماً، بحيث يعتبر الزواج المبكر مبرراً لزواج الفتاة من قبل أهلها للتخلص من نفقتها ومن قبل أهل زوجها  لمساعدة زوجها في تحمل أعباء الحياة. فضلاً عن ثقافة المجتمع السائدة  التي تؤكد  على أن أهم هدف تقوم به الفتاة وتستطيع إنجازه هو الزواج.

كما تستغل بعض التيارات المتخلفة هذه الثقافات وتنشر بعض المفاهيم مثل العنوسة والشرف بحيث يصبح الزواج المبكر هاجساً لأهل الفتاة ووسيلة للحفاظ على شرف العائلة. بالإضافة إلى ارتباط العائلات فيما بينها بعلاقات تربط بين أبنائهم منذ الصغر بزواج الأقارب أو المقايضة وهي حالات ما تزال موجودة إلى الآن.

قد يخفى على البعض سلبيات الزواج المبكر بما يخلفه من  أعباء نفسية وجسدية  تلحق بالفتاة وذلك لعدم قدرتها على  تحمل المسؤوليات المناطة بها. كما يساهم زواج الفتيات في هذا السن في حرمانهن  من حقهن في التعليم كأقرانهن من الفتيات. كما يجدن  صعوبة في تربية الأطفال وذلك لعدم الإلمام بأساليب التربية كافة والتي تؤهلهن ليصبحن أمهات المستقبل, فضلاً عن النأي بالمرأة جانباً وجعلها في موقع متدني عاجزة عن المشاركة الفعالة في المجتمع بكافة جوانبه غير قادرة على اتخاذ القرارات الخاصة بها وبأسرتها متزامنا مع ازدياد حالات الطلاق في المجتمع لعدم وعي كل من الزوجين.

وللحد من هذه الظاهرة لا بد من اتخاذ بعض الإجراءات على صعيد الأشخاص والمجتمع  كأن تحدد الدولة  سن الزواج  الخاص بالرجل والمرأة، نشر رسائل لتوعية الأهل بضرورة رفع سن الزواج للفتاة حتى تصبح مؤهلة لأن تقوم بمهامها كزوجة وأم للنهوض بجيل واع وإعداده بشكل صحيح وإيجابي. تنظيم دورات تأهيلية لمن سبق لهن الزواج في سن مبكرة وإعادة تأهيلهن ليصبحن قادرات على إكمال حياتهن.

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة