Slider
قوائم

النساء ونقمة التقاعد

دمشق – سلوى زكزك

تصر سلمى على إخفاء خبر تقاعدها من عملها  عن أقاربها وخاصة الذين يعيشون في القرية، فبعد ثلاثين عاماً من الالتزام اليومي بوظيفة كاتبة في ديوان  إحدى الشركات العامة، قررت التقاعد وترك العمل. وتعزو سبب كتم الخبر بأنها ترغب وخاصة بالفترة الأولى بالتفرغ لإنهاء معاملة التقاعد بروية، كما أنها إن أشاعت الخبر، حسب قولها، لن يتبقى لها وقت من أصله، فالراغبات بالقدوم إلى المدينة والتنزه أو التسوق أو لمراجعة الأطباء كثيرات جداً، وهي لم تعتد الالتزام والتفرغ المطلق والمرافقة الكاملة معهم.

التقاعد مرحلة فاصلة في حياة المرأة العاملة، بعضهن يؤجلنه حتى آخر فرصة ممكنة خوفاً من الفراغ ومن حسم نسبة التقاعد التي تطيح بما يقدر ما بين الخمسة والعشرين  أو العشرين بالمئة من الدخل الشهري للمرأة العاملة عدا عن  خسارة قيمة الضمان الصحي إن وجد.

كما أن الفراغ والالتزام بالبيت والواجبات العائلية والأسرية من أهم الأسباب للتردد في التقاعد أو بالتخوف منه ومن نتائجه.

تقول سهام إن والدها طلب منها وفور تقاعدها السفر إلى القرية لمساعدة زوجته في أعمال المنزل ورعايته والكلمة الوحيدة على لسانه هي (خلص صرتي فاضية)،تشكو سهام حالها قائلة: “لم يقل لي بأنه يشتاقني، أو أن دعوته مبنية على رغبة منه بأن أنال قسطاً من الراحة والسكينة والهدوء بعد سنوات طويلة من العمل ومن الالتزام القاسي بساعات محددة للاستيقاظ والنوم والسفر”.

أما النساء المتزوجات فيشعرن بأنهن بتن مطالبات بأن يتحولن إلى مربيات لأحفادهن أو طباخات لأبنائهن وأسرهم تحت ذريعة بأنهن بتن خاليات من أية مسؤولية وعليهن تبديل نوع العمل ليس إلا! تبديل قسري دون رغبة ودون أجر أو استحقاق، وقد لا تسأل الجدة أصلاً عن إمكانية ترك حفيدها عندها من  عدمها.

ليلى امرأة عاملة، تقاعدت منذ سنة، أعلمت أولادها عن يوم محدد لاستقبالهم وأشاعت خبراً مفاده بأنها ستحدد يوماً آخر للقاء الصديقات في المنزل أو خارجه، واعتبرت أن باقي أيام الأسبوع من حقها للراحة أو لأداء مهامها المنزلية والتسوق ولكن على راحتها كما يقولون، دونما إحساس بأن الوقت يلاحقها ويداهمها ويضغط عليها. لوهلة شعرت أن أولادها  تضايقوا وأنهم يرتبون وقتهم بناء على قناعة بأن وقتها أصبح ملكاً لهم، أي أنها انتقلت من عبودية لأخرى وتحت مسمى العائلة والعاطفة.

إن التمتع بمشاعر الجدة والإحساس بأن الوقت ملك لصاحبته وبأن ترتيباً جديداً طرأ على الحياة وسيغيرها نحو الأفضل، هي مشاعر حسنة وإيجابية، لكنها لا تلق رضا الجميع وبالتالي يتحول التقاعد بحد ذاته إلى عبء شاق ومثار اختلاف.

كما أن سن التقاعد، والذي يكون حكماً بين الخمسين والستين من عمر المرأة، هو سن تحدث فيه فروقات بيولوجية وعاطفية حادة، تحول حياة المرأة إلى صحراء مجدبة، ويتطلب هذا السن مراجعة الأطباء والانتباه إلى بعض العادات الصحية وتناول عقاقير يومية أقلها الكلس وآخرها أدوية هرمونية تخفف أو تعالج أعراض سن اليأس أو الأمل،لا فرق! لأن الاسم ليس المهم بل التفاصيل وآلية التعاطي معها، من قبل المرأة ذاتها والأهم من قبل المحيط الأقرب والحلقة الأضيق وهي العائلة أولاً وآخراً.

تبدو المقارنة هنا مع مفهوم التقاعد وتفاصيله في بلاد أخرى، مقارنة فارغة من المعنى وبلا جدوى، لكن سحر تتابع صور العجائز الأوربيات السائحات في بلاد أخرى  بغضب وقهر عظيمين, وتتابع أسماء الجمعيات أو المجموعات التي تتداعى المتقاعدات  لإنشائها للانخراط في رحلات وزيارات ترفيهية أو في أعمال تطوعية تجلب الراحة العميقة وتشعر المرأة معها بالفاعلية، وبأنها كائن عظيم الفائدة، وكأنها شابة انخرطت لتوها في عمل رائع وممتع وبالغ الفائدة.

التقاعد هو محطة إجبارية في حياة كل امرأة عاملة، ولكنها محطة محفوفة بالمخاطر نتيجة التنميط الاجتماعي القاهر والذي يفرض على المرأة انعزالاً عن المجتمع الواسع وانخراطاً أوسع في قضايا العائلة واحتياجاتها الاجتماعية والعاطفية، وغالباً ما يعني للكثيرات حالة موت سريري تكثر بعده الأمراض والمشاكل الصحية وتتزايد الحاجة الماسة للمزيد من الأدوية والمعالجات والرعاية والعناية، التي قد تبدأ بالاهتمام وتنتهي عند المساعدة المالية لأن الراتب الشهري يخسر جزءاً مؤثراً منه ويتراجع التأمين الصحي وتلوذ المتقاعدة بقاعدة الحد الأدنى من كل شيء حتى بالوجبات اليومية الرئيسة.

ما بين مؤيدة للتقاعد المبكر أو الطبيعي وما بين خائفة منه ومعتبرة إياه قطعاً مأساوياً مع الفعالية والنشاط، قضايا كثيرة تفرض نفسها، وقضايا كثيرة تحتاج تحليلاً وتفصيلاً للواقع المتغير بجذرية عميقة.

وفي الحال الأشد بؤساً، وهي غياب أية رعاية للمتقاعدات أو غياب برامج الضمان الصحي الفردية من قبل مؤسسات موثوقة ومهنية، يغدو الوضع الصحي هو الهاجس الأكبر. كما أن غياب برامج دمج المتقاعدين وخاصة المتقاعدات في خضم العمل الطوعي وغياب قانون جمعيات يراعي ترخيص جمعيات خاصة غير الخيرية والدينية طبعاً لهو مقلب آخر من مقالب الوضع الصعب والدراماتيكي للمتقاعدات.

أما فكرة السياحة وخياراتها فهي مؤجلة حكماً حتى تأمين القوت اليومي وحبة الدواء الضرورية, وعندها تثبت نظرية أنه للسياحة أهلها وناسها، ونحن  كمتقاعدات غريبات عنها كمفهوم وكطريقة وبعيدات جداً.

خاص “شبكة المرأة السورية”

 

اترك رد

مواضيع ذات صلة