Slider
قوائم

النساء ورمضان

دمشق: سلوى زكزك

تقضي  أم أيمن جلّ ساعاتها وهي تحضر الكبب والبرك المحشوة بالجبن واللحم لتلبي الطلبات المتزايدة عليها بمناسبة قدوم شهر رمضان، طلبات للدعوات والسهرات الرمضانية التي تزيد في هذا الشهر، ومن يملك النقود يشتري الراحة، وأم أيمن لا وقت لديها حتى لإعداد طعام أطفالها ,فرمضان بالنسبة لها موسم لجمع ما يتوفر من مال لسد الديون العالقة وتأمين الاحتياجات الضرورية للمنزل، في أوله تتفرغ لصناعة الكبب والبرك وفي الربع الأخير منه تتفرغ لصناعة الحلويات كالمعمول بجوز وفستق وعجوة.

في إحصائية شبه مؤكدة تشير الأرقام إلى تضاعف استهلاك الغذاء بشهر رمضان ثلاثة أضعاف الاستهلاك الشهري الطبيعي المألوف، وتشهد الأسواق تشهد ارتفاعاً صاروخياً في الأسعار، وخاصة الخضار والفاكهة. ارتفاع يضيف أعباء إضافية على كواهل النساء المطالبات دوماً بتأمين ما يتيسر من الغذاء بأقل الأسعار وبأعباء توضيبها وتنظيفها وطبخها، خاصة أن رمضان يتطلب تنوعاً بالحصص الغذائية وخاصة وجبة الإفطار لتدارك النقص الحاد باحتياجات الجسم الأساسية ومنعه من التدهور والانهيار.

يشترط زوج سامية عليها أن تدعو أهله وأقاربه دورياً خلال رمضان, بحيث تضطر للعمل ساعات إضافية مرهقة لتلبي رغبته وبواقع دعوتين أسبوعياً،عليها أن تجهز أطباقاً متعددة ومتنوعة، لذلك تلجأ قبل شهر كامل من قدوم رمضان لتجهيز الأطباق القابلة للتجميد طمعاً براحة جسدية يتطلبها الصيام وتأميناً لتنويع طعامي كبير لإرضاء الزوج وضيوفه.

بمكان غير بعيد عن بيت سامية، تتوسط رجاء وأبناؤها  أرض حديقة ضحلة بتراب يابس وقاس، تنتظر وجبات ساخنة نادرة لكنها قابلة للتحقق، أو مساعدات عينية كالبرغل والسكر والأرز وربما يتخلل الأعطيات فروج أو قطعة صغيرة من اللحم.

يثقل الصيام العبء على العاملات خارج البيوت، حيث تعانين من نقص في ساعات النوم والراحة، عليهن تحضير وجبات متنوعة وإيقاظ العائلة على السحور بعد تحضير وجبة سحور ضرورية، نوم متقطع وواجبات ثقيلة وغلاء فاحش ومناخ مرتفع الحرارة وتعذر خانق في وسائل النقل أو في تأمين الحاجات المنزلية.

تحضر سميرة الكبب من البرغل والبطاطا المسلوقة جدا حتى تتحول إلى عجينة متماسكة كاللحم الهبرة، تتحايل على الحشوة بقليل من الشحمة واللية لتمنحها دسامة مطلوبة ومستحبة، التحايل هو عنصر التميز عند السوريات، كبة من العدس وعجة من قلوب الكوسا التي تتركها صاحبة الكوسا التي طلبت من بائعة الخضار حفرها مقابل خمسين ليرة عن الكيلو الواحد إضافة إلى قلب الكوسا.

ثمة من يبحث في الحاويات عن بقايا وجبات وربما وجبات باذخة كاملة رميت على عجل دونما تبصر أو سؤال عن إمكانية تقديمها لجائع.

تدفع سعاد أولادها الثلاثة دفعاً للذهاب إلى ساحة الجامع الأموي الكبير لتناول الطعام من موائد الإفطار  المفرودة على وسعها, اطفالها صغار ولا يصومون، لكنها تقول لهم: (هونيك في لحم بالأكل، في قطعة فاكية أو كم حبة تمر). لا تذهب معهم لأنها تعيل  ابنتها الكبرى المعاقة، لكنها توصيهم بجلب ما تيسر للأخت الراكدة كحجر والمحبوسة بين جدران الغرفة الترابية الآيلة للسقوط في  أحد أحياء دمشق القديمة القريبة من الجامع الأموي، حبتا تمر، تفاحة، قرص معمول أو كأس عصير غير طبيعي إن توفر.

تسأل ريهام أمها عن سبب امتناع أهل والدها عن دعوتهم لمشاركتهم وجبة الإفطار، بينما يدعون إليه بقية أفراد العائلة، تصمت أم ريهام، تبكي  وتختنق بدموعها، لا جواب لديها, وصلة الرحم الواجب مراعاتها والحرص على التواصل معها تصير عبئاً إضافياً على الفقراء، المحرومين حتى من تعاطف ذوي القربى ومن المسؤولية المجتمعية الواجبة اتجاههم.

أما سراج فيحدث أمه بعصبية حين ترفض منحه الألف ليرة التي جمعها معها لتنفيذ رغبته بتناول وجبة إفطار مع أقرانه في أحد المطاعم الشعبية, عروض خلبيّة تقدم طعاماً دون مستوى الجودة والنظافة والنكهة اللذيذة، لكنها مستحبة ومرغوبة من قبل الشبان الفقراء، الذين يحبون التعامل مع شهر الصيام باحتفالية واحدة قد لا تتكرر.

اعتادت شيماء  خلال أيام رمضان أن  تصبغ شفتيها بأحمر الشفاه فور خروجها من المنزل، لأن أمها مصرة على أن أحمر الشفاه يُفطر وأنه علامة مرفوضة وغير مستحبة في الشهر الفضيل كما تسميه، تصير شاشة الجوال مرآة لشيماء، تطلي شفتيها بالأحمر وتسير مسرعة مدارية العيون لبعض الوقت وسرعان ما تنفض عن المداراة.

تنتظر حسنا ولميس ومريم مبالغ نقدية يدفعها  لهن المفطرون لأسباب متعددة  وذلك كفارة عن إفطارهم، اعتدن انتظار تلك الهبات خلال شهر رمضان، تشترين بها دواء لشهور أو قطعة ملابس ضرورية أو مونة لشهور قادمة، مع الإشارة إلى أن الهبات قد تضاءل عدد مانحيها وإن توفرت فقيمتها وإن كان الرقم عالياً لا تكفي ولا تسد الرمق.

يتبادل الصائمون الزيارات والتبريكات والتهاني، وتضج الشاشة الزرقاء بمباركات جوفاء ومكررة, تدور من صفحة لصفحة بتكرار مغرق في اللا معنى، تبريكات لأمهات فقدن أولادهن  وأزواجهن ويعانين من صيام عاطفي مزمن، فراغ لا يعوض عنه كل كلام الأرض المنمق، تبريكات لسيدات غارقات في الحداد والعوز وسؤال إلى أين ؟ ومتى العودة إلى بيوتنا ومطابخنا ورائحة جدراننا الدافئة وقدورنا المعطاءة والأليفة.

وككل الشهور تتجلى المعاناة  الأكبر في وجوه النساء وأياديهن المتعبة وقلوبهن الملتاعة.

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة