Slider
قوائم

النساء واقتصاد الحرب

سلوى زكزك

تقود النساء السوريات معارك يومية لمواجهة متطلبات الحياة اليومية، يتدبرن  بما هو ممكن  المنتجات الموسمية  لتغطي فصول السنة كلها.

يكتسبن صفة مميزة جامعة، بأنهن مدبرات واقتصاديات، لكن قدورهن تبقى فارغة من الدسم والوفرة، وعليهن تأمين كل شيء بجهود تنتمي للاحتيال على ما يتوفر من إمكانيات شحيحة وأوجه دعم نادرة ومحددة.

على عربات الملابس البالية يقفن، تخترن ملابس غير صالحة للارتداء! يجمعن الكنزات القطنية السميكة ليحولنها إلى مناشف للوجه، للقدمين، للمطبخ، وقصاصات للاستخدام في الحمام بعد التغوط خاصة للأطفال. وللعجائز خاصة في ظل غياب توفر الحمامات المريحة لكبار السن والحاوية على ماء نظيف للأطفال.

لم يكن فقراء سورية بخير يوماً، العادات الخبيرة بالتقشف والهادفة لتقليص أكبر حجم ممكن من المصاريف اليومية الضرورية، عادات أصيلة ومن صميم تقاليد عيش  العائلات السورية، تتناقلها الأجيال بفخر، لكن الأحوال تضيق حتى تصبح خانقة جدا.

كما أن الحرب الطويلة  قد فاقمت من فقر الفئات الأكثر فقراً ومدتها بقوافل جديدة من أفراد الطبقة الوسطى والمرفهة والغنية أيضاً، وتقع مهمة التدبير والتكيف بشكل رئيسي على كاهل المرأة دون باقي أفراد الأسرة.

تدبير لم يعد يكتفي بالشكليات أو الرفاهيات كما كان يوصف، وإنما طال القوت اليومي ومس كافة التفاصيل اليومية من بدل استئجار البيت الذي تكاد عائلات كثيرة تعجز عن دفعه دونما إعانة أو مساعدة من الأقارب وصولاً إلى أحذية الأبناء وملابس المدرسة والقرطاسية والدواء.

تتذرع أم ياسين بأنها تريد أوراق الخس شبه المهترئة للسلحفاة التي تقتنيها، لكنها في الحقيقة تريدها لصنع صحن من السلطة لزوجها المصاب بمرض السكري، يصر البائع على ثمن  محدد مقابل تلك الأوراق، تبكي دون أن تتمكن من كبح دموعها، تقول له (الحجي مريض ومشتهي صحن سلطة)، يمنحها الأوراق  مجاناً، لكن الغصة تتضاعف في صدرها وكل صحون السلطة لن تزيل وقع تلك الحادثة الجارحة من ذاكرتها.

اقتصاد الحرب هو اقتصاد الظل، لكنه الأكثر رواجاً والأعم نهجاً والأوسع انتشاراً. ريعه غير محتسب في الموازنة العامة، لكن تفاصيله مؤشر على تضخم الفقر وانزياح الأمان الاقتصادي النسبي نحو الهاوية.

تسدد النساء فاتورة الحرب وحيدات ومرهقات، سيدة سورية مقيمة في تركيا توفي زوجها، تبيع كليتها مقابل خمسة آلاف يورو كي يسافر ابنها لألمانيا ويلم شمل أمه وأخوته،لأن الأبواب قد سدت كلها وباتوا في مهب المجاعة والضياع.

باعت الأم مصاغها وسيارتها لتعيش مع أولادها القاصرين، وعندما شارفت مقتنياتها على الانتهاء، شعرت بخطر غامر وكأنها متروكة  معلقة في السماء، فنصحتها إحدى جاراتها ببيع كليتها، مبررة ذلك بالقضاء والقدر وبأنه من المحتمل خسارة الكلية بحادث ما، وبالتالي فالخسارة شبه حكمية.

لم تقدم الجمعيات المعنية بدعم النساء وتطوير أدائهن  وأدوارهن في مواجهة الحرب إلا القليل، والدورات المهنية اقتصرت على الحلاقة والتريكو و فن المكياج، وهي اختصاصات أشبعت حاجة  الأفراد والسكان منها  وخاصة أن الدورات المذكورة تقام في حيز جغرافي محدد لا يحتاج  خدمات  كل السيدات المشاركات، وخاصة في اختصاصات محددة ومكررة،  وبات أي توجه لافتتاح محل خاص أو مشاركة هو مشروع فاشل حتماً تتكبد الأطراف الساعية لإنشائه خسارات طائلة دونما وارد كاف.

لذلك يبدو الأهم من فكرة إقامة تلك الدورات هو ملاحظة التنوع في الاختصاصات مثل تصليح الهواتف النقالة أو برمجة الحواسب أو رياض الأطفال أو التمريض المنزلي ولكن لرعاية المسنين أو الأطفال ذوي الإعاقة أو الأطفال الطبيعيين أثناء غياب أمهاتهم في العمل. وملاحظة إمكانية تأمين فرص عمل ضمن مشاريع إنتاحية جماعية  متنوعة ومتكيفة مع الحاجات الجديدة النوعية والتي تنمو أو تظهر الحاجة لها حسب درجة تكيف الأفراد مع المكان الجديد ومع علاقات العمل المطلوبة والمتجددة، وأن تكون ذات ريعية كافية وتلبي احتياجات أوسع من حجم احتياجات مكان جغرافي مغلق وشبه  منكفئ على نفسه ومكتف بخدمات أهله منذ وقت طويل.

تبيع هدى الملابس البالية والستائر والأطباق الزجاجية والأحذية على الرصيف في منطقة شعبية مزدحمة، قد لا تتمكن من بيع أي من مواد تجارتها لضيق ذات يد السكان ولحصر الطلب على اليومي الأكثر احتياجاً وضرورة، وقد تلجأ للتبادل السلعي ،أي المقايضة، كأن تحصل على عبوة زيت نباتي مقابل ستارة  يحتاجها سكان البيت المتداعي بشدة لتسد نافذة واسعة بلا زجاج أو بلا إطارات خشبية للنوافذ بحيث يمكن وضع قماش من البلاستيك القاسي عوضا عنها.

على باب البيت وقفت صبية بحدود الخمسة عشرة عاماً  تبيع البسكويت، ودون أن تسألها، تروي لك قصة محكمة ومرتبة بعناية لتكون قابلة للتصديق بصورة مطلقة، تسيل المآسي من القصة، تحضر الحاجة الماسة أمامك مباشرة وعليك الشراء أو إطباق الباب بإحكام ونسيان كل شيء والانشغال المطلق بأمور أخرى، كالنوم أو كإجراء مكالمة هاتفية لا ضرورة لها، فقط لتهرب من بؤس حضور طفلة يانعة على أبواب البيوت غير المحمية وغير المتفهمة لشكل  ومعنى ودوافع هذا الحضور، وكيفية التعامل معه بأقل الخسائر \الواقعة على البائعة المرغمة على الابتسام وعلى انتحال دور الصادقة والمقنعة بشدة وعليك في الوقت عينه.

تتناقل الأخبار توقف الإعانات عن ثمانية آلاف عائلة سورية في لبنان، تتلقى أم كمال  المقيمة في إحدى ضواحي دمشق الفقيرة في بيت متداع بعد رحلة نزوح طويلة مكالمة من ابنها ينقل لها عبرها الخبر المشؤوم، كل ما يعنيه لها هذا الخبر أن كمال لم يعد قادراً على إرسال ثمن الدواء لأبيه، تزوغ عيناها وتشحذ ذاكرتها لتتعرف إلى أين ستكون نقطة البداية في رحلة البحث المضنية عن جمعيات تدفع ثمن الدواء. رحلة خاضتها مراراً ولم تفز سوى بالموافقة على الأنواع الرخيصة من الدواء وليس لكامل الوصفة المطلوب تأمينها بشكل متواصل، أدوية لم تعد متوفرة، وأخرى ارتفع ثمنها، وأخرى لا تفتح الجمعية المعنية أبوابها لمثلها، لأنها نفسية أو فيتامينات تصنف في حقل الكماليات غير القابلة للصرف.

تصبح الأرقام الرسمية أو الموازية بغير قيمة ،أمام هول حجم المطلوب من النساء، لإنقاذ ما تبقى من حياة مرة وقاسية ومتطلباتها لا ترحم، والنساء هن دافعات الثمن ومتصدرات الشأن الاقتصادي وكأنه مهمة مستحيلة عليهن التعارك معها وإخضاعها  لصالح  قوة العيش رغماً عنها وعنهن معا.

خاص “شبكة المرأة السورية”

 

اترك رد

مواضيع ذات صلة