Slider
قوائم

الدروس للأحياء فقط

 وجدان ناصيف

إلى جانبي في القطار الذي يقلني من آرل في جنوب فرنسا إلى فورباك في الشمال، تجلس سيدة، تنظر اليّ كل حين فأبتسم وأعود إلى تصفح “الانترنت” على جهازيّ المحمول. يلمع الضوء الأحمر عند اشارة “الماسنجر”:

-“أمي.. ما هي “البروستريكا”؟ “

يزعجني أحيانا هذا الصبي بأسئلته لكني لا أستطيع إلا أن أجيبه. أتخيّله في الجهة الأخرى يجلس طويلاً في نفس الزاويّة في دارهم الكبيرة، كما وصفها لي ويرتعد خوفاً كلما طرق أحدهم الباب. قال لي قبل شهر :” أنا مختبئ وأكاد أموت من العزلة .. “

سألني بعدها إن كنت كرديّة ولم يصدم كثيراً بجوابي بالنفي، ذكرت له فيما بعد حكاية اسمي، كيف أحبَّ أبي صبيّة شركسية ولم يستطع الزواج منها لأن طائفته لا تقبل بذلك فأطلق عليّ اسمها .

تحاول جارتي في القطار قول شي لي، أجيبها بأني لا أعرف الفرنسية .. تبتسم وتسألني :” الألمانية؟ ” فأجيب : “إنكليزي أو عربي ..”  تدير وجهها منزعجة وتلوّح بيديها الاثنتين:

-” c’est pas grave”..- لا يهم!

يضيء أمامي اللون الأحمر من جديد:

-“أمي اليوم اتفقت مع المهرب .. ادعيلي ..”

أنتقل بيدي على رسالة أخرى .. أبو الزين، زين الشباب، يكتب لي :

“ندمت لأني أتيت هنا، لا يوجد أكل ولا شيء. بس المعنويات قوية بإذن الله. هناك معركة قريبة .. ادعيلنا.. “.

أبو الزين، ( هذا ليس اسمه الحقيقي)، كتب :

-” سأخرج الى لبنان .. الورم في رقبتي يكبر كل يوم. سأقوم بعلاجه هناك ثم أعود ..”

عرفت أبو الزين مذ كان صغيراً، يناديني بـ”خاله” . التحق بالجيش الحّر قبل سنتين هرباً من الاعتقال بعد أن صوروه في مظاهرة.  هو من أسرة كانت قبل ثلاث سنوات ميسورة، ثم نزحت إلى لبنان بعد اعتقال الأب مرتين.

كتب أبو الزين قبل أيام رداً على أسئلتي الكثيرة :

“لم أنظمّ بعد للنصرة  ..لا أريد ذلك .. لكن الشباب هناك سرقونا .. كل ما وصلنا خلال سنتين هو خمسون ألف ليرة للشخص الواحد . لكني أشعر بالوحدة هنا. تركت أصدقائي هناك محاصرين. قبل أن أخرج الى لبنان سوف أنزل وأساعدهم بالخروج . لا أعرف . تدبرت الأمر مع شباب النصرة . لكني لا أستطيع أن أكون معهم . وقد يرفض رفاقي ذلك أيضاً .. لكن إن رفضوا سيموتون جوعاً! .. بس ما بعرف .. “

-” أمي .. بالأمس قدم صديقي من الحسكة الى قامشلو وفي الطريق رأى عشرات الجثث بدون رؤوس .. أمي أنا خائف!”

أرفع رأسي قليلا وأسنده الى الكرسي .

-“كل الفصائل عم تجمع شباب للحرب بدون استثناء .. كلهم يريدون تجنيدنا.. داعش تريد جنود والنظام يريد واليبكه .. والله يعين الليّ يعلق..أمي أنا لا أحبّ القتال..”!

لا أعرف هذا الشاب ولا أذكر كيف بدأ يناديني بأمي. لكني منذ ثلاث سنوات تخليت عن السؤال حول منطقية حصول الأشياء حولي.

أبو العزّ يكتب باللغة العربية الفصحى ويطعّمها ببعض الكلمات الشعبية :

-“الثورة منصورة باذن الله … لك هاي ثورة صنعها أطفال وتسلقها الجهّال وحماها أبطال وخانها الأنذال “، يختم حديثه .. أتخيله وهو يقولها أمامي بلهجته الشامية المحببة.

“أمي.. اليبكه  كويسين لكن أنا ما بحبهن، هني مثل الشبيحة. يأخذون الشباب أيضاً رغماً عنهم للقتال”.

تقول السيدة الألمانية السبعينية إلى جانبي بالفرنسية، ما هي جنسيتك؟ فاردّ: “أنا سورية”  ثم بمساعدة غوغل أخبرها بأني لاجئة وهاربة من الحرب. تلوّح بيديها الاثنتين أمام وجهها، وتحاول أن تشرح ببعض الكلمات الفرنسية والإنكليزية، أنها في عام 1945 كانت طفلة صغيرة حين كانت تحملها عمتّها في الفناء، وبعد أن أعطتها العمة لأمها بلحظات نزلت قذيفة “بوووووووووم”، تقول، بين أمّها والعمة ، وو تدمع عيناها..” قتلت العمّة “..!”

في نهاية حديثها الذي لم أفهم نصفه، خرجت من فمّ السّيدة الألمانية جملة باللغة الانكليزية، ربما استعانت بغوغل أيضا لقولها : ” –  “People never learn” – البشر لا يتعلمون أبداً”.

-“يحتاج من يتعلم الدروس أن يبقى حياً للاستفادة منها” !

قلت جملتي بالانكليزية . لكنها لم تفهم ما أعنيه! كان ذلك يتطلب شرحاً طويلاً وهي تجهلنا تماماً. لو سنح الوقت لأخبرتها الحكاية منذ البداية. حكاية ولديّ وكل أبناء جيلهما وعن إمكانية استفادتهم من الدروس القاسية… إن بقوا أحيّاء …

اترك رد

مواضيع ذات صلة