Slider
قوائم

الاغتصابُ الشرعيُّ: الجريمة المبررة

لجين العرنجي

يكفي أن تُطرح فكرة الاغتصاب حتى تشمئز الأفكار والمشاعر، فكيف هو الحال عندما تُغطّى هذه الجريمة بصفات من الممكن أن تشرعنها؟ إنّه (الاغتصاب الشرعي) والمعني به الاغتصاب الزوجي، الذي ما زال حتى اليوم هناك من يجهل انتشار وتفشي هذه المسميات لتغطية وحشية بعض الأفعال الذكورية المصانة والمحمية من الدين والقانون.

ليس غريباً عن العالم بأسره معاناة المرأة واستضعافها والاستقواء عليها بمختلف أشكال العنف ومنها الجنسي، إلا أن توفر القوانين الحامية للمرأة في بعض الدول المتقدمة يخفف من ممارسة العنف عليها، أما الدول التي لا تضمن قوانينها حقوق النساء، فإن نسبة الانتهاكات والعنف الجنسي الزوجي أعلى بكثير، كما هو الحال في دول متعددة من قارتي آسيا وإفريقيا، ويمكن الاقتراب من الواقع أكثر لنسائل وضع المرأة السورية بالذات بهذا الشأن.

قبل 2011:

ما من دراسات توضح نسبة ممارسة الاغتصاب الزوجي في المجتمع السوري قبل 2011. إلا أن هناك بعض الدراسات التي قامت على أسس خاصة لمعرفة أسباب الظاهرة فقط، ففي دراسة قدمت عام 2012 في قسم الدراسات المسرحية في المعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا حول الاغتصاب الشرعي، وكيف جُسّد في السينما العربية، استطاعت الباحثة الربط بين السينما والواقع باختيار عينات عشوائية بشكل سري، حيث تحدثت بعض النساء عن تعرضهن لهذا العنف لعدة أسباب: منها الرغبة الجنسية الدائمة عند الرجل دون مراعاة الحالة العاطفية أو التوافقية للمرأة معه، ومنها الخوف من زواج ثان للرجل، ومنها الخشية من توتر أسري ظاهر للأطفال في حال عدم الرضوخ، وبعض الحالات كانت تخشى من الاشكالات والشجارات التي وصلت للضرب في النهاية.

وبينت الدراسة أن نسبة الاغتصاب الزوجي حسب العينة مرتفعة جداً، لكنها لم تستطع تعميم هذه النسبة في المجتمع السوري بسبب العينة العشوائية المختارة، واستنتجت أسباباً مساعدة عديدة للظاهرة أهمها تشريع الدين والقوانين لها، حيث ينص القانون السوري المستمد من الشريعة الاسلامية بما يخص الاغتصاب في المادة 489 على ما يلي: “من أكره غير زوجه بالعنف أو بالتهديد على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة خمس عشرة سنة على الأقل”. من هذه المادة نستطيع الاستنتاج ببساطة أن استثناء الزوجة هذا يكفل تبرير العنف والتهديد الجنسي لها. ولو أضفنا لهذا التحليل، ذهنية المجتمع الذكوري، لعرفنا لماذا كانت هذه الجريمة مستورة في المجتمع السوري ومعتم عليها دائماً.

بعد 2011، ولا سيما بعد الحرب:

لا يمكن لظاهرة أن تتفشى من العدم، ولكن من الطبيعي أن يظهر المرض بعد كمونه لفترة طويلة في الجسد، وهذا حال قضية الاغتصاب الشرعي في سورية، كمثيلاتها من الانتهاكات والجرائم التي تزايدت وتيرتها بنسب متفاوتة مع بدء الحرب السورية، فبالإضافة للأسباب السابقة، استحدثت الحرب أسباباً جديدة، حاولت شبكة المرأة السورية معرفتها عن طريق المقابلات التي رفضت نساء عديدات المشاركة فيها، وقبلت بعضهن ذلك بعد ترددٍ كبير:

قالت هدى، 45 عاماً، مقيمة في ريف حماه(السلمية) : “لم يتغير شيء مع الحرب، فنحن لم نتعرض لأي أذية مباشرة من الأحداث سوى بعض التراجع في الحالة المادية، والحال ذاته منذ 20 سنة، حيث مرت سنتين من الزواج مع توافق جنسي كبير، إلا أنه بعد ذلك يمكنني أن أصف علاقتي الجنسية بزوجي “بنصف الاغتصاب”، فبرغم حالتي النفسية غير المستقرة أو علاقتنا المتوترة كان علي الرضوخ للعلاقة الجنسية، وإلا فسيكون اليوم التالي أسوداً علي وعلى الأطفال، ولا يزال الوضع حتى اليوم على حاله.

أما نسرين، 35 عاماً، نازحة من الغوطة في جرمانا فقالت: “أنا في حالة مأساوية للغاية نتيجة بقاء زوجي في الغوطة، إلا أنني من ناحية الوضع الجنسي مرتاحة جداً، فبرغم مضايقة بعض الرجال في بداية نزوحي عند طلبي العمل هنا، إلا أن ذلك أسهل بكثير من المعاشرة في أي وقت يريده زوجي سواء كنت مريضة أو متعبة أو نائمة أو…، حتى عندما كنت أعبر عن ألمي واشمئزازي فلم يكن يغير ذلك شيئاً”.

تثبت حالة هدى ونسرين وجود حالة الاغتصاب الزوجي قبل الحرب، وأنها استمرت ما دام الرجل موجوداً بهيمنته البديهية، وكأن زوجته ملكه وواجبها الطبيعي إشباع رغباته بعيداً عن رغبتها الجنسية والعاطفية.

إيمان، 40 عاماً، نازحة من الغوطة في جرمانا، شرحت لنا بالتفصيل: ” لقد تزوجت بعد قصة حب كبيرة، وهربت مع زوجي رغماً عن أهلي، ورغم ذلك كنت أضطر إلى الانصياع لرغبة زوجي الجنسية بعد ولادتي الأولى، ولم يعد للمعاشرة طقس جميل وجو رومانسي وقبلات، وإنما أصبحت كحيوانه ليس من المهم أن تشعر بشيء، بل المطلوب أن يرتاح زوجي وينام بعد يوم عمل شاق وطويل، اما بعد ال2011 ، فقد اعتقل زوجي في احدى المظاهرات وخرج في 2014، وبعد حادثة الاعتقال هذه بقي لفترة طويلة يكتفي بالاقتراب مني بحب دون أي معاشرة، من ثم بدأنا المعاشرة بعد هذا الانقطاع بطلب مني بكل حب ورومنسية ولم يعد يطلب مني ذلك بعنف أبداً، ولكنني أعرف أن هناك سبباً دعاه للكف عن هذا العنف، ولم أستطع تحديده بسبب كتمانه الكبير”.

يبدو أن شعور زوج ايمان بهيمنة أقوى من الهيمنة الذكورية في المجتمع، أو ربما مشاهداته أو تعرضه للعنف ومنه العنف الجنسي جعله يشعر تماماً بمقدار وحشية ممارسة الجنس عن غير رغبة وخاصة مع ممارسة العنف.

وأخبرتنا نسمة، 43 عاماً، نازحة إلى جرمانا: “عندما كنا في الغوطة، كان من الممكن أن يوقظني زوجي من النوم ليعاشرني، وحتى عندما كنت أرفض كان يصر حتى أقبل، ولكن بعد النزوح، صرت أخاف النوم قبل أن ينام، ففي حالات كثيرة كان يريد فيها معاشرتي وأنا نائمة، يقوم بضربي، أو الصراخ كي أستيقظ، أو اغتصابي دون أي كلمة، فلذلك أنا أنتظره كل ليلة حتى ينام كي أستطيع النوم مهما طال سهره”.

كريمة، 39 سنة، نازحة في مخيم في البقاع اللبناني: “كان زوجي في السابق يضايقني كما يضايق أغلب الأزواج زوجاتهم بالنسبة لموضوع الجنس، فنحن جميعاً كنساء نتحدث فيما بيننا عن رغبة الرجل الكبيرة في الجنس ورغبتنا التي تختفي في حال سوء الأحوال المعيشية أو النفسية مثلاً. إلا أن زوجي تغير كثيراً بعد النزوح وساءت الحالة بشكل كبير، فكلما كانت تسوء أحوالنا وأضطر للعمل خارج المخيم، كان يزداد قسوة على الأولاد وخاصة الفتاة، ويطلب مني الجنس في كل لحظة نختلي بها أو في كل لحظة ينام بها الجميع، وكان يبكي عندما أرفض في البداية فأفعل ما يريد وأنا مذهولة بردة فعله، أما فيما بعد فصار عند أي رفض مني يصرخ ويجرسنا أمام الخيم المحيطة، فصرت أضطر لمعاشرته دون أي رفض، وهو يطلب ذلك بكثرة مع أنني اعمل طول النهار وهو لا ينجح بإيجاد عمل”.

لا شك أن بشاعة الحرب فاقمت كل الرذائل، وزايدت العنف أضعافاً مضاعفة، ولذلك أسباب تتعلق بالإنسان نفسه، فبالأصل كانت هيمنة الرجل المَرضية هي سبب اعتداءه على حرية زوجته الجنسية، وبعد الحرب ربما زاد الضغط عليه من زيادة تحكمه بزوجته وتعنيفها، وربما في حالة كريمة، كان عجز زوجها عن تأمين العمل، وتامين حاجات أسرته، وفقدانه لزمام السيطرة هو السبب في إثبات رجولته جنسياً لا غير.

خاص “شبكة المرأة السورية”

اترك رد

مواضيع ذات صلة