Slider
قوائم

أطباء  أبناء البلد …  وأثر الفراشة

 فراس يونس

طبيب سوري في مشافي المناطق المحررة، كان احتضن عائلته في حلب ونجا بها من الجحيم المستعر في بلده ومدينته حلب.  قدم إلى تركيا والأبواب كلها مشرعة فلديه الجنسية التركية، وإذن العمل ويستطيع الآن أن يفتتح عيادته الخاصة  وهو يعلم أنه باختصاصه هذا سيحقق دخلاً ممتازاً سينسيه فكرة العودة إلى بلده بشكل نهائي، ولكن ما حدث حقيقة هو أنه يعمل حالياً في مدينة متاخمة للأراضي السورية، مع منظمة طبية تعمل في الشأن الصحي في سوريا … يخاطر بحياته ليتفقد المشافي  الميدانية في الداخل السوري و تتكرر زياراته إلى المناطق المشتعلة في سوريا رغم تزايد المخاطر هناك .رضي براتب يقل عن ربع ما كان سيجنيه لو أفتتح عيادته الخاصة هنا في تركيا .

طبيب جراح مختص، سبق له ان عاين مئات المصابين والجرحى،  تتم دعوته إلى إحدى الولايات الشمالية في أميركا، من إحدى المنظمات الطبية المهتمة بالموضوع الطبي في سوريا، كشاهد على ما يحدث ولكي ينقل حقيقة ما يجري على الأرض من إجرام  في حق المدنيين ووضع السوريين الصحي ومعاناتهم ومشكلاتهم في تردي الطبابة سواءً ممن هم داخل مخيمات النزوح ولا مبالاة الأطباء المعتمدين فيها، ومشكلة التأمين الصحي للسوريين خارج المخيمات في تركيا  او داخل المناطق السورية التي لم يتمكن أهلوها من مغادرتها وبقوا تحت رحمة صراع عسكري ضروس ما لبث أن طالت اعمار ساكنيها ومواسمهم الزراعية وأنعامهم كما  أجسادهم تشوهاً وحروقاً وإصابات بليغة لم تستطع إمكانات المشافي الميدانية تلبية حاجاتهم العلاجية والدوائية . باختصار في غياب وسائل ” سحرية ” ناجعة ، ونقص الامكانات الفاضح هناك ضرورات  تضامن إنساني تتعالى على المنافع المادية واستغلال الظروف و منطق تجارة الأزمات،و لا تنعدم فيها ضرورات الكرامة الإنسانية و كما في الطبيعة  ثمة ” أثر الفراشة “، الأثر الحلولي البطيء،في إمكانية الفعل والتأثير على المنظمات الطبية  الدولية. طبيبنا ما ان يحصل على الفيزا حتى تنهال عليه النصائح من جميع المحبين ( أول ما بتوصل قدم لجوء… قصتنا مطولة وانت عندك ولاد ) … يصل إلى هناك ووجه تلك الطفلة المشقوق طولاً كان آخر ما خاطه في سوريا … في النهار لقاءات و أسئلة و عواطف مشتعلة ودموع و في المساء تنهال المكالمات من أقاربه و أصدقائه هناك (قدم لجوء … الشغلة مطولة … أنت عملت اللي عليك سلم لغيرك بيكفي أربع سنين)… وبالفعل أربع سنوات كانت كافية تماماً … أربع سنوات شديدة قاسية صنعت من صغاره رجالاً و من زوجته و بناته سنديانات بقامات عالية … ولكن إلى متى؟
تراوده الأفكار و تتسارع في مخيلته صور كل ما رأته عيناه من أهوال، و كل ما سمعته أذناه من أنات، وكل لحظة رفع فيها سبابته متشاهداً وهو يرى الموت أمام عينيه “وماهو أسوا من الموت رؤيته”، وكل مرة ودع فيها أطفاله وهو يعلم أنه قد لا يراهم ثانيةً، وكل كلمة أوصى بها زوجته كي تحتمل غيابه و كي تكون لأطفاله الأب و الأم إن حدث له شيء، و دموعها … وتلك قصة أخرى.

لم يتقدم باللجوء وعاد إلى سوريا طبيباً جراحاً يحيي الأجساد و يرتق الأوجاع .وعندما يسأله أحدهم الآن (الله يسامحك لك ليش ما قدمت لجوء) يبتسم بخجل و يقول (والله ما بعرف).

طبيبة لم تكمل اختصاصها، تضطرها ظروف الحرب في حمص على الهجرة والنزوح وأمام إنغلاق فرص العمل في وجهها لاتني تعترف بمرارة أن  الأكثر إيلاماً لها  عندما تصادف سورياً يصر حين  يلتقيها على شرح حالته لها  للتشخيص و المراجعة بالرغم من محاولتها  إقناعه بأنها  غير قادرة على التشخيص من دون أجهزة و معدات و لا تملك عيادة هوشعور بالعجز اليومي المرّ و جارح للقلب أمام مرضاها.

طبيب من الساحل تعرض للخطف في بدايات عسكرة الثورة . صلاته القرابية بالنافذين بالسلطة جعلته صيداً سميناً للخاطفين الذين أكرموا ” وفادته” دون إيذاء جسدي أو معنوي. كل ماكانوا يريدون منه مساعدتهم والطاقم الطبي في مشفى ميداني وقد ابلى بلاءً حسنا في معالجة الجرحى وبحماسة منقطعة النظير لدرجة – كما قال – نسي حادثة خطفه وبنى صداقات مع الاطباء الآخرين والمرضى وصار واحداً منهم، في سراء يومياتهم وضراءها إلى أن جاء موعد مبادلته بسجين مقابل إطلاق سراحه في انهماك عائلته النافذة لتحريره من ربقة الخاطفين بشروط سلمية. سوف تُنَّسَقُ تلك الرواية بعد ذلك لصالح رواية مغايرة ، تلغي الذاكرة في تفاصيل العمل الطبي الانساني لصالح ذاكرة ” مُصَنَّعة ” بديلة وحديث عن أهوال عززتها حوادث اختطاف لاحقة لا مكان فيها للإنساني.

تبدو معاناة الأطباء السوريين مظهراً من مظاهر المأساة السورية في كل مواقعهم واتجاهاتهم واختصاصاتهم  وما يزيد الأمور سوءاً ، النزيف الطبي المستمر بسبب هجرة الكثير من الأطباء – يشار حسب مصادر موثوقة إلى مغادرة خمسة آلاف طبيب من سورية – وأثر تلك المعاناة على المواطنين السوريين في الأرياف والمدن على حد سواء .

أثر الفراشة الإنساني سيخط طريقه في المأساة السورية ولن يكون عَرَضاً في سيرورتها، وفي سياق مجتمع يلفظ  كل ما في أحشائه ترتسم مواطنية سورية جديدة،  متحررة من لوثة وعُقَد ايديولوجيا التعصب والخنادق والكراهية.

خاص “شبكة المرأة السورية” 

 

 

اترك رد

مواضيع ذات صلة